مجرد لعبة

محمدابوالقاسم


ونحن نتابع تداعيات المشاركة المغربية في كأس الأمم الافريقية لكرة القدم، وتفاعل المغاربة مع مراحل أداء المنتخب المغربي، يمكن أن نتفهم كل ردود الأفعال، إلا تلك التي اعتبرت أن كرة القدم ''مجرد لعبة'' أو ''مجرد رياضة''، لأن الرياضة على العموم وكرة القدم على الخصوص لم تعد مجرد لعبة، ولم تكن كذلك منذ زمن بعيد، إنها ظاهرة ثقافية واجتماعية بأبعاد وتداعيات اقتصادية وسياسية. لقد أصبحت كرة القدم في زمن العولمة صناعة قائمة بذاتها تقدم منتوجا وسلعة، فلم يعد الترفيه حقا بل امتيازا لمن يستطيع دفع ثمنه، وتعبيرا عن موازين القوى الاقتصادية واللاعدالة داخليا وخارجيا، حين تتمكن أغنى أندية العالم من الاستئثار بأفضل المواهب الكروية وخاصة من الدول الفقيرة، نفس الأمر يمكن أن نشهده في الدولة الواحدة، مما يؤثر على موقع هذه الفرق في السوق، كما يفرض أسئلة أخرى ذات بعد ثقافي كتلك المتعلقة بمسألة العولمة والانتماء والهوية، حين تجد جماهير تفضل متابعة وتشجيع أندية أجنبية. إن الاهتمام الذي حظيت به الرياضة وكرة القدم على الخصوص لم يكن مرتبطا بشعبيتها في البلدان، وإلا لما شهدنا اهتمام الولايات المتحدة أو الصين بالاستثمار في كرة القدم، مع العلم أنها لا تعتبر رياضة شعبية بالبلدين، بل إن دولا تعمد إلى توفير كل الإمكانيات والموارد بما في ذلك شراء لاعبين ومنحهم الجنسية ليلعبوا لمنتخباتها. أما التوظيف السياسي أو الشعبوي لكرة القدم فلم يعد موضوعا للاختلاف، سواء في البلدان التي تصنف ديمقراطية أو تسلطية. فحين فازت فرنسا بكأس العالم سنة 1998 اعتبر جاك شيراك في خطابه بهذه المناسبة أن هذا الفوز هو انتصار للاندماج الاجتماعي وفرنسا المتعددة الأعراق. وحين عاد لاعبو الجزائر سنة 2021 إلى بلدهم ظافرين بكأس العرب، قدم النظام الجزائري نفسه للعالم -من خلال صورة الاحتفاء بالكأس- كنظام تحكمه قبضة العسكر. كرة القدم ليست مجرد لعبة، وهذه ليست دعوة للتخلي عن القيم السامية التي تمثلها الرياضة، وليست دعوة لعدم تقبل الهزيمة، أو المبالغة في التعامل مع نتائج التنافس الرياضي، لكنها دعوة للتعامل مع كرة القدم في أبعادها وتداعياتها المختلفة، كمرآة لرقي المجتمعات ورافعة ممكنة لتنميتها ونهضتها.